محمد جمال الدين القاسمي
280
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أي : ظهرت أماراته حِينَ الْوَصِيَّةِ بدل من الظرف ، لا ظرف ( للموت ) ولا لحضوره . فإن في الإبدال تنبيها على أن الوصية من المهمات التي لا ينبغي التهاون بها . وقوله تعالى : اثْنانِ خبر شَهادَةً بتقدير مضاف . أي شهادة بينكم حينئذ ، شهادة اثنين . أو فاعل ( شهادة ) على أن خبرها محذوف . أي : فيما نزل عليكم ، أن يشهد بينكم اثنان ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أي من المسلمين : أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ أي من أهل الذمة إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ أي سافرتم فيها فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما أي : توقفونهما للتحليف مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ أي صلاة العصر . كما قاله ابن عباس وثلّة من التابعين . وعدم تعيينها ، لتعيينها عندهم بالتحليف بعدها . لأنه وقت اجتماع الناس ووقت تصادم ملائكة الليل وملائكة النهار . واجتماع طائفتي الملائكة ، فيه تكثير للشهود منهم على صدقه وكذبه . فيكون أقوى من غيره وأخوف . وعن الزهريّ : بعد أيّ صلاة للمسلمين كانت . وذلك لأن الصلاة داعية إلى النطق بالصدق ، وناهية عن الكذب والزور ، كما قال تعالى : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [ العنكبوت : 45 ] . فالتعريف في الصَّلاةِ إما للعهد أو للجنس . فَيُقْسِمانِ أي : يحلفان بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ أي : شككتم فيهما بخيانة وأخذ شيء من تركة الميت . وقوله تعالى : لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً جواب للقسم . أي يقولان : لا نأخذ لأنفسنا بدلا من اللّه . أي : من حرمته عرضا من الدنيا بأن نهتكها ونزيلها بالحلف الكاذب . أي لا نحلف باللّه كاذبين لأجل المال وَلَوْ كانَ أي : من نقسم له ونشهد عليه ، المدلول عليه بفحوى الكلام ذا قُرْبى أي : قريبا منا . تأكيد لتبرئهم من الحلف كاذبا . ومبالغة في التنزه عنه . كأنهما قالا : لا نأخذ لأنفسنا بدلا من حرمة اسمه تعالى مالا . ولو انضم إليه رعاية جانب الأقرباء . فكيف إذا لم يكن كذلك ؟ وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ أي : الشهادة التي أمرنا اللّه تعالى بإقامتها . وإضافتها إلى الاسم الكريم تشريفا لها وتعظيما لأمرها إِنَّا إِذاً إن كتمناها لَمِنَ الْآثِمِينَ أي : المعدودين من المستقرين في الإثم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 107 ] فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 107 ) فَإِنْ عُثِرَ أي اطلع بعد التحليف عَلى أَنَّهُمَا أي : الشاهدين الوصيين